حيدر حب الله

412

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

المحور الرابع معضلة الوسائط في الأخبار ودور العقل الفلسفي في إنتاجها من الطبيعي أن تشكّل ظاهرة الوسائط المتعدّدة في الحديث الشريف معضلة ، ذلك أنه لو أخبرك شخص بحدث ما رآه بعينه ، فإن درجة الاحتمال والصدق ستكون عالية ، سيما عندما يكون المخبر معروفا بالصدق والتدقيق والضبط ، أما عندما ينقل لك المخبر عن شخص آخر هو الذي رأى الحدث ، فإن فرض سلامة الخبر ستكون أقل تلقائيا ، وبحساب الاحتمالات الرياضي أيضا ، سوف يكون من المحتمل وجود أحد خطأين ، إما في الراوي الأول أو الثاني ، وهكذا عندما يتعدد الناقلون تعددا طوليا ، بمعنى أن ينقل الواحد منهم عن الآخر ، فكلّما زادت السلسلة تضاءل حجم الاطمئنان أو الظن بالخبر ، وهذا شيء طبيعي يلمسه الإنسان بفطرته وسليقته اليومية . كان من المتوقع أن يأخذ هذا الموضوع حيزا من النقاش بين علماء الإمامية ورجال الحديث منهم ، فبعض الأسانيد يتجاوز السبعة والثمانية وسائط ، فإذا أراد الطوسي مثلا أن يدوّن رواية عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم فإن الفاصل الزمني بين الوفاتين تقارب الأربعمائة والخمسين عاما ، فكم رجل يجب أن تحتويه السلسلة ؟ وما هو مدى الوثوق بالجميع في عدم الخطأ أو حدوث خلل ما ولو كان غير متعمّد ؟ ربما تظهر مقولة ترى أن حجية خبر الواحد إذا كانت منطلقة من تباني العقلاء على العمل بالآحاد ، فقد لا تشمل حالة من هذا النوع ، أي حالة تعدد كبير في الوسائط مئات السنين ، هذا شيء متوقع قوله ومحتمل حتى لو كان خطأ عند بعضنا . لكن المفاجأة التي قدّمها لنا أصول الفقه الإمامي أنه لم يعر هذا الموضوع أية أهمية على الإطلاق ، اللهم إلا نادرا ، ولم يدرسه في حساباته العقلائية ، ولا في حساباته الرياضية ، كانت الأمور واضحة ومحسومة تقريبا لصالح حجية الخبر سواء كان مع واسطة أو بدونها ، وربما يكون السبب كامنا في أن التشكيك في موضوع الوسائط على هذا النحو ربما يفضي - عمليا - إلى إسقاط حجية الآحاد ، إذ من أين يتوفر لنا خبر بواسطة واحدة أو واسطتين مثلا ؟ ! نعم ، وجدنا ما يتصل بهذا الموضوع في مواضع عدّة ، كما في هامش